للأسف … في مجال المال والأعمال كل مصادر التعلم باللغة الإنجليزية، وكذلك الشركات تُعطي أولوية لمن يُتقن اللغة الإنجليزية …
وكما قال ابن خلدون " المغلوب مولعُ باقتداء الغالب " ونحن كمغلوبون أصبحنا نرى أن تميزُنا هو تقليد الغالب … وفي مجالنا كلما تحدث الشخص بلسان أعجمي كلما شعر بتميزهِ وتوافقهِ من المُتطلبات الوظيفية للشركات …
ولقد وقعت في هذا الفخ منذُ سنوات، فعندما صنعت أول فيديو لي، وكان عن الحوكمة، أدخلت به كثير من المُصطلحات الإنجليزية، ظنًا مني أن هذا أنفع للمُستمع … ولا أُخفيك سرًا كُنتُ أظن أن هذا يُميزني وسيُبهر المُستمع.
وإن كُنتُ معذورًا في هذا الأمر … فلأن دراستي والمصادر التي صنعت من خلالها الفيديو كانت كُلها باللغة الإنجليزية … وأيضًا حصيلتي اللغوية للمفردات العربية التي تقابل الانجليزية لم تكن وقتها كثيرة …
ومع الوقت وبعد أن زاد اطلاعي وقراءاتي تبين لي أن نقل المعرفة بلغتي الأم هو الأنسب والانفع والأكثر فهمًا لي وللقارئ، مع أن ذلك يأخذ جهدًا كبيرًا من أجل تعريب المُصطلح ونزع التحيزات الغربية منه لكي يتناسب مع ثقافتنا وقيمنا …
ولا يُفهم من الكلام أني ضد اللغة الإنجليزية … بل بالعكس انصح بشدة بتعلّمها وإتقانها … ولكن لا تستخدمها إلا في موضعها، وعندما تغيب عنك المُفردات العربية التي تُريد أن تُعبر به عن فكرتك … هنا تكون معتزًا بلغتك وهويتك …
فمثلًا عندما تشرح علوم المُحاسبة والمراجعة والمالية الموجُودة في الشهادات المهنية … يتوجب عليك أن تستخدم أكبر قدر من المُصطلحات الإنجليزية مع ضرورة تعريب هذه المُصطلحات قدر الإمكان …
لكن لا نسمح لك أن تكون مُتحدثًا بلسان أعجمي صِرف في قوم لسانهم عربي مُبين … فأنت بذلك صرت إنسان مشوهًا ممسوخًا وصرت لا إلى العرب ولا إلى العجم … تمامًا مثل أهل الأعراف …
وصدقًا تحدُثك بلسان أعجمي صِرف في أهل العربية يُصعب موضوع الحديث عليك وعلى المُستمع وسيخرج المُستمع من الحديث كما دخل فيه … ولن تستطيع أن تُبدع في شرح موضوع حديثك، فالإبداع من خلال معجم الآخر هو أمر مُستحيل …
ولا يقولن أحد أن هذا إنغلاق وضد الانفتاح … فالانغلاق هو رفض الآخر تمامًا، والانفتاح هو عملية تفاعل مع الآخر تأخُذ منهُ وتُعطيه، ولا يُعني الخضوع له …
فالحاصل … لا ولن تستطيع أن تُبدع إلا من خلال مُعجمك … فالإبداع من خلال مُعجم الآخر هو أمر مُستحيل …




