
هناك ضجة كبيرة حاليًا عن الذكاء الاصطناعي … هذه الضجة وراءها ثلاث شركات:
١- شركة (OpenAI) مالكة نموذج الذكاء الاصطناعي (ChatGPT)،
٢- شركة (Alphabet Inc.'s Google) مالكة نموذج الذكاء الاصطناعي (Gemini)،
٣- شركة (Anthropic) مالكة نموذج الذكاء الاصطناعي (Claude).
وهناك نوعان من الذكاء الاصطناعي:
١- الذكاء الاصطناعي التوليدي (Gen AI): وهو عبارة عن روبوت مُحادثة مُدرب على إنتاج نصوص وكلام مفهوم بناءً على قاعدة بيانات معرفية مهولة باستخدام تعلم الآلة (Machine/Deep Learning).
٢- الذكاء الاصطناعي العام (AGI): هو ذكاء يُشبه ذكاء الإنسان ويهدف لمحاكاة القدرات الإدراكية البشرية بشكل شامل، مما يُمكن الآلات من التعلم وتنفيذ مجموعة واسعة من المهام في نفس الوقت كما يفعل الإنسان مثل ما أن يقوم الشخص بقيادة السيارة والتحدث في التليفون ومداعبة ولده في آن واحد.
ونحن لدينا مُقدمتان مُهماتان في هذا المقال:
١- فكرة الاقتصاد الحالي قائمة على النمو، بمعنى أن الشركات بحاجة دائمة للتوسع أكثر فأكثر من خلال البحث عن أسواق جديدة و مستهلكين جدد، أو استغلال الاسواق الحالية من خلال خلق الحاجة لدي المستهلك بدلًا من تلبية حاجاته، وهذه الفكرة تتطلب أن المعرفة والموارد لا نهائية وغير مُحدودة.
٢- يراهن المُستثمرون في هذه الصناعة على أن المزيد من قوة الحوسبة والبيانات والنماذج الأكبر ،حتمًا ستُمهد الطريق لقفزات أكبر إلى الأمام في قوة الذكاء الاصطناعي.
وبناء على هذه المُقدمات نقول:
كل الشركات التي تعمل في الذكاء الاصطناعي حاليًا نموذج عملها قائم على فكرة الذكاء الاصطناعي التوليدي وأشهرها (GPT-4)، ولكي تُثبت هذه الشركات للمُستثمرين أنها تنمو عليها أن تطور من النموذج، وتصنع نموذج جديد يتجاوز في قدراته الإصدارت السابقة ويقترب من هدفها المتمثل في الذكاء الاصطناعي القوي الذي يتفوق على البشر (الذكاء الاصطناعي العام).
وفقًا لمقال منشور في بلومبرج " فإن الشركات الثلاث تشهد الآن عوائد مُتناقصة على جهودها المُكلفة لبناء نماذج أحدث، فقد أصبح من الصعب بشكل متزايد العثور على مصادر جديدة غير مُستغلة لبيانات تدريبية عالية الجودة من صنع الإنسان، والتي يمكن استخدامها لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا.
ومن ثَمَ … التحسينات على هذه النماذج مُتواضعة مُقارنة بالتكاليف الهائلة الُمرتبطة ببناء وتشغيل نماذج جديدة (مثل نموذج Orion التي تعمل عليه شركة OpenAI حاليًا والذي لم يُحقق النتائج المرجوه منه حتى الأن).
وأشار المقال أيضًا أن هناك الكثير من الأشياء التي يمكن أن تعرقل عملية الوصول إلى ذكاء اصطناعي أكثر قوة في السنوات القليلة المقبلة، وأهم هذه العراقيل هي إمكانية نفاد البيانات.
والسبب في ذلك أن التكنولوجيا التي تدعم ChatGPT وروبوتات الدردشة الأخرى المُنافسة، بُنيت على مجموعة من منشورات وسائل التواصل الاجتماعي والتعليقات عبر الإنترنت والكتب والبيانات الأخرى التي يتم كشطها بحرية من جميع أنحاء الويب، وذلك كان كافيًا لإنشاء مُنتجات يمكنها أن تكتب المقالات والقصائد الذكية، ولكن بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر ذكاء قد يتطلب مصادر بيانات أخرى غير منشورات ويكيبيديا والتعليقات على اليوتيوب.
والحصول على هذه المصادر أبطأ وأكثر تكلفة من مجرد كشط الويب، وبالتالي أصبحت الشركات تُكافح من أجل الحصول على مجموعات بيانات فريدة وعالية الجودة دون توجيه بشري، وذلك يُمثل نكسة تُثير شكوك حول الاستثمار الكبير في الذكاء الاصطناعي وجدوى الوصول إلى هدف شامل تسعى إليه هذه الشركات بقوة وهو الذكاء الاصطناعي العام الذي تتطابق مع البشر أو يتجاوزهم في العديد من المهام الفكرية.
بناءً على ذلك قال نوح جيانسيراكوزا، أستاذ مشارك في الرياضيات في جامعة (Bentley in Waltham, Massachusetts) " إن نماذج الذكاء الاصطناعي ستستمر في التحسن، ولكن المعدل الذي سيحدث به ذلك مشكوك فيه، لقد أصبحنا متحمسين جدًا لفترة قصيرة من التقدم السريع جدًا، لكن لم يكن ذلك مُستدامًا".
وقالت مارغريت ميتشل، كبير علماء الأخلاقيات في شركة (Hugging Face) الناشئة بالذكاء الاصطناعي: "إن فقاعة الذكاء الاصطناعي العام تنفجر قليلًا"
انتهى المقال …
قلتُ … بناء على ما ورد بالمقال وعلى المُقدمات التي ذكرنها سابقًا، فإنه:
١- حتى الأن من الناحية المالية لا يوجد رؤية واضحة لنماذج الأعمال القائم على الذكاء الاصطناعي التوليدي فيما يخص التوقعات المالية للمبيعات والأرباح أو الخسائر خلال السنوات القادمة، وتشعر أن كل هذه الضجة هي فقط لجمع التمويلات من المُستثمرين.
٢- الشركات المُستفيدة من تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي حتى الأن هي الشركات التي تُصنع الرقائق الالكترونية المُستخدمة فيه مثل شركة (Nvidia) أنظر كيف ارتفعت قيمة الشركة بسرعة الصاروخ.
٢- لكي تُحقق هذه الشركات مزيد من النمو عليها بجمع المزيد من البيانات التي هي من صنع البشر، وبالتالي نحن هنا أمام مُعضلة أخلاقية بخصوص الاستيلاء على بعض البيانات محفوظة الحقوق، مما يتعارض مع المرجعية النهائية لهذه الشركات المُتمثل في ميثاق الأخلاقيات (والذي ثبت أنه صنم عجوة يُؤكل وقت اللزوم).
٣- وصول هذه الشركات لنموذج الذكاء الاصطناعي العام، قد يعني استبدال التركيبة الإنسانية … استبدال الإنسان خليفة الله في الأرض بالآلة لتحقيق مزيد من الربح وقليل من التكلفة … الآلة والربووت التي سيكون من أحد مهامها رعاية طفلك ومداعبتهِ …
٤- كل هذا قائم علي فكرة أن المعرفة والموارد لا نهائية … وهذا غير منطقي وحتمًا هناك جدار ستصدم به هذه الفكرة.
وتلك هي مُعضلة الذكاء الاصطناعي … فحتى يُثبت أحقيته بالاستثمار فيه ويجمع المزيد من الأمول، عليه تجاوز ميثاق الأخلاقيات والطغيان على التركيبة الإنسانية … فهل سينجح ونفشل نحن؟




